حمل الكتاب الإلكتروني المجاني الخاص بك


Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Post Type Selectors
post
recipe
product

سلة المشتريات

ليس الألم المشكلة…بل ما نفعله به

الألم جزء من كوننا بشر

الألم جزء من الحياة الإنسانية. كان موجودًا دائمًا، وسيظل كذلك.

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}
سورة البلد (90:4)

هذه الآية من Quran لا تقول إن هناك خللًا فيك، بل تذكّرك أن المشقة جزء طبيعي من كونك إنسانًا.

الألم له أشكال متعددة. قد يكون جسديًا، مثل التعب أو المرض. لكنه في كثير من الأحيان يكون شعورًا داخليًا، مثل عدم الرضا عن الشكل، أو ألم الرفض، أو الإحساس بأنك مختلفة أو لا تنتمين، أو الشعور بالوحدة والضغط والإرهاق النفسي. ولا شيء من هذا يعني أن هناك خطأ فيك. الألم ليس المشكلة، المشكلة هي كيف تعلّمنا أن نتعامل معه.

لماذا نحاول الهروب من الألم

عقلنا مبرمج لحمايتنا. يرى الألم كإشارة خطر، فيحاول إبعادنا عنه بأسرع وقت ممكن. وأحيانًا يكون ذلك مفيدًا؛ فإذا تعرضتِ للتنمر في المدرسة، فمن الطبيعي أن تتجنبي هذا الموقف، وإذا كان هناك شخص يؤذيك، فالابتعاد عنه حماية لك. لكن ليس كل ألم يمكن التعامل معه بهذه الطريقة، وبعض أنواع الألم كلما حاولنا الهروب منها ازدادت.

كيف تعلّمنا ذلك

جزء كبير من هذا يعود إلى الطريقة التي تعلّمنا بها التعامل مع الألم في طفولتنا. في كثير من الأحيان، ومن دون قصد، تعلّمنا أن الشعور بالألم يجب إيقافه بسرعة. ربما بكيتِ وقيل لك “لا تبكي”، أو “ليس بالأمر المهم”، أو “الكبار لا يبكون”، وحتى العبارات التي تبدو لطيفة مثل “لا بأس، لا تحزني” قد تحمل رسالة غير مباشرة بأن هذا الشعور غير مرحّب به. ومع الوقت يتكوّن اعتقاد داخلي: هذا الشعور غير صحيح، لا يجب أن أبقى فيه، ويجب أن أتخلص منه بسرعة.

لكن تخيّلي لو أن أحدًا جلس معك وقال: “نعم، هذا مؤلم فعلًا”، أو “أرى أنك متضايقة”، أو “من الطبيعي أن تشعري بهذا”، من دون محاولة إصلاح الشعور أو إلغائه. عندها كنتِ ستتعلمين شيئًا مختلفًا: يمكنني أن أشعر بالألم وأكون بخير، ولا أحتاج إلى الهروب منه.

أتذكر منذ صغري أنني كنت أقول لنفسي: “اليوم صعب، فقط عليّ أن أتجاوزه، وغدًا سيكون أفضل”. لا أعرف تمامًا كيف تعلّمت ذلك، لكنني ما زلت أعود إليه حتى اليوم، ليس كطريقة للهروب من الشعور، بل كطريقة للبقاء معه دون أن يسيطر عليّ. ولهذا، من الطبيعي عندما يظهر الألم الآن أن لا يكون رد فعلك هو الشعور به، بل محاولة تغييره.

مثل ألم الأسنان

تخيّلي شخصًا يعاني من ألم شديد في أسنانه. ذهب إلى الطبيب، فأخبره أن لديه التهابًا، وأعطاه خيارين: مضادًا حيويًا لعلاج المشكلة، ومسكنًا لتخفيف الألم. لكنه لم يكن يملك المال إلا لواحد منهما، فاختار المسكن. اختفى الألم مؤقتًا وشعر أن المشكلة انتهت، لكن الالتهاب بقي وازداد مع الوقت، ثم عاد الألم بشكل أقوى. هذا بالضبط ما يحدث معنا، فنحن نختار المسكن.

عندما يظهر ذلك في علاقتك مع الأكل وجسمك

هنا يصبح الموضوع واقعيًا جدًا، لأنه ليس مجرد فكرة بل مواقف تعيشينها مرارًا. تقفين أمام المرآة ولا يعجبك ما ترينه، ترتدين ملابس لا تشعرين بالراحة فيها، تقارنين نفسك بغيرك دون أن تنتبهي. هذا الشعور، هذا الثقل، هو الألم، ومن الطبيعي ألا ترغبي في البقاء فيه، فتقولين: يجب أن أغيّر هذا.

تبدئين دايت، وتشعرين بالسيطرة والنظام، وكأنك تفعلين شيئًا صحيحًا، لكن هذا هو المسكن. مع الوقت يصبح التقييد مرهقًا، القواعد أصعب، والرغبة في الأكل أقوى، ثم يأتي الأكل بنهم، والشعور بالذنب والإحباط، والإحساس بأنك فقدتِ السيطرة أكثر من قبل. الألم لم يختفِ، بل تغيّر شكله وازداد.

والأمر نفسه يحدث مع المشاعر. يوم طويل، ضغط، إرهاق، أو شعور بالفراغ، أو حتى موقف بسيط لكنه يظل معك. هذا هو الألم. فتتجهين إلى الأكل، ليس بدافع الجوع، بل لتخفيف الشعور، وينجح ذلك للحظة، راحة وهدوء وتشتيت. هذا هو المسكن. ثم تأتي الموجة الثانية: اللوم، والشعور بالذنب، والتساؤل “لماذا فعلت ذلك مرة أخرى؟”، والانفصال عن نفسك. وهنا تصبحين تتعاملين مع أكثر من شعور.

إذا عدنا إلى مثال ألم الأسنان، فالصورة تصبح أوضح. الشعور بعدم الرضا، أو الضغط، أو الوحدة هو ألم الأسنان. الأكل العاطفي أو الدايت هو المسكن. أما الأكل بنهم، والانشغال المستمر بالطعام، والشعور بالذنب، فهو انتشار الالتهاب. وهنا يعلق الكثير، لأن ما يفعلونه يبدو وكأنه يساعد، بينما هو في الحقيقة يزيد الأمور صعوبة.

أنتِ لا تختارين المعاناة

أنتِ لا تختارين المعاناة، بل تستخدمين طرقًا تعلّمتِها للتعامل مع الألم. طرق ربما كانت منطقية في وقت ما، وربما ساعدتك لفترة، لكنها الآن لم تعد تخدمك. تعطي راحة مؤقتة، لكنها تزيد المعاناة مع الوقت.

ما الذي يمكن أن يتغيّر

التغيير لا يبدأ بمحاولة التخلص من الألم، بل بتغيير علاقتك معه. بدلًا من رد الفعل التلقائي، يمكنك التوقف لحظة، ملاحظة ما تشعرين به دون محاولة إصلاحه فورًا، تسمية الشعور، والسماح له بأن يكون موجودًا حتى لو كان مزعجًا. ثم طرح سؤال مختلف: ليس “كيف أتخلص من هذا الشعور الآن؟” بل “هل هذا الاختيار سيخفف معاناتي لاحقًا أم سيزيدها؟”. هذا السؤال وحده قد يغيّر الكثير. لا يعني أنك ستختارين دائمًا بشكل مختلف، ولا أن الرغبة في الهروب ستختفي، لكنه يمنحك مساحة، وفي هذه المساحة يوجد نوع مختلف من القوة، ليس قوة السيطرة، بل قوة الوعي.

الفكرة الأخيرة

الألم سيبقى جزءًا من حياتك، وستظل هناك أيام صعبة ومشاعر مزعجة ولحظات لا يعجبك فيها ما ترينه. هذا ليس ما يحتاج إلى إصلاح. لكن المعاناة الناتجة عن محاولاتك المستمرة للهروب من هذا الألم هي ما يمكن أن يتغيّر، ليس دفعة واحدة، ولا بشكل مثالي، بل تدريجيًا، اختيارًا بعد اختيار.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *